ابن ميثم البحراني
188
شرح نهج البلاغة
وأقرأكم أبيّ ، ورووا مع ذلك أقضاكم عليّ . وذلك الاستفهام على سبيل الإنكار عليهم ولذلك أردفه بالتكذيب لهم فيما ادّعوه من الأفضليّة . ثمّ إن كان ما رووه حقّا مع أنّ القضاء يحتاج إلى جميع ما ادّعوه فضيلة لهم ثبت أنّه عليه السّلام أفضلهم لاستجماعه ما تفرّق فيهم من الفضايل فيهم ، وإن لم يكن حقّا مع أنّ أنوار فضايله مستطيرة في آفاق الصدور فقد ظهر فضله عليهم ، وذلك وجه التكذيب لهم . ثمّ أشار إلى العلَّة الحاملة لهم على الكذب فيما ادّعوه ، وهو قوله : أن رفعنا اللَّه : أي رفع درجاتنا في الدنيا والآخرة على الكافّة ووضعهم دوننا ، وأن وما بعدها نصب على المفعول له ، وأعطانا : أي الملك والنبوّة وحرّمهم ذلك ، وكذلك أدخلنا بعنايته الخاصّة بنا فيما أعطانا وأخرجهم من ذلك . قوله : بنا يستطعى الهدى ، ويستجلى العمى . فاستعار لفظ العمى للجهل ، ورشّح بذكر الاستجلاء ، ولمّا كانوا عليهم السّلام المعدّين لأذهان الخلق لقبول أنوار اللَّه والمرشدين لنفوسهم إلى سبيل اللَّه لا جرم كان بهم يستعطى الهدى من اللَّه . إذ بواسطة استعدادهم يفاض على النفوس هداها ، وبواسطة إعطائهم القوانين الشرعيّة الكلَّيّة والجزئيّة يستجلي الجهل من واهب ذلك الجلاء . وهو كناية عن الاستعداد أيضا . وقوله : إنّ الأئمّة من قريش . إلى آخره . لفظ النصّ المشهور عن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الأئمّة من قريش وتخصيصه ذلك بهذا البطن من هاشم : أمّا على مذهب الشيعة فهو نصّ يجب اتّباعه كما يجب اتّباع نصّ الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لاعتقادهم عصمته ، وأمّا على مذهب الباقين من المسلمين فواجب الاتّباع أيضا لقوله عليه الصلاة والسلام : إنّه لمع الحقّ وأنّ الحقّ معه يدور حيث دار . ومراده بذلك البطن : أمّا على مذهب الاثني عشريّة فنفسه مع الأحد عشر من ولده بنصّ كلّ منهم على من بعدهم من كونهم معصومين ، وأمّا على مذهب الباقين من الإماميّة فكلّ منهم يحمل هذا الكلام على من اعتقد إمامته . لا يصلح على سواهم : أي لا يكون لها صلاح على يد غيرهم ، ولا يصلح الولاة غيرهم .